فخر الدين الرازي

5

تفسير الرازي

النهار والليل مغنياً عن ذكر الشمس . والجواب : أن حدوث النهار والليل ليس بسبب حركة الشمس ، بل حدوثهما بسبب حركة الفلك الأعظم الذي دللنا على أن حركته ليست إلا بتحريك الله سبحانه ، وأما حركة الشمس فإنها علة لحدوث السنة لا لحدوث اليوم . السؤال الثالث : ما معنى قوله : * ( مسخرات بأمره ) * والمؤثر في التسخير هو القدرة لا الأمر . والجواب : أن هذه الآية مبنية على أن الأفلاك والكواكب جمادات أم لا ، وأكثر المسلمين عليها أنها جمادات ، فلا جرم حملوا الأمر في هذه الآية على الخلق والتقدير ، ولفظ الأمر بمعنى الشأن والفعل كثير قال تعالى : * ( إنما قولنا إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) * ( النحل : 40 ) ومن الناس من يقول إنها ليست جمادات فههنا يحمل الأمر على الأذن والتكليف والله أعلم . * ( وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * اعلم أنه تعالى لما احتج على إثبات الإله في المرتبة الأولى بأجرام السماوات ، وفي المرتبة الثانية ببدن الإنسان ونفسه ، وفي المرتبة الثالثة بعجائب خلقة الحيوانات ، وفي المرتبة الرابعة بعجائب طبائع النبات ذكر في المرتبة الخامسة الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال العناصر فبدأ منها بالاستدلال بعنصر الماء . واعلم أن علماء الهيئة قالوا : ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء وذاك هو البحر المحيط وهو كلية عنصر الماء وحصل في هذا الربع المسكون سبعة من البحار كما قال بعده : * ( والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ) * ( لقمان : 27 ) والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار ، ومعنى تسخير الله تعالى إياها للخلق جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها إما بالركوب أو بالغوص . واعلم أن منافع البحار كثيرة والله تعالى ذكر منها في هذه الآية ثلاثة أنواع : المنفعة الأولى : قوله تعالى : * ( لتأكلوا منه لحماً طرياً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن الأعرابي لحم طري غير مهموز ، وقد طرو يطرو طراوة ، وقال